الشيخ السبحاني

373

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل

من ذلك ، لو لم نقل إنها إلى الثالثة أقرب . لأن الآيات واقعة في سياق الدعوة إلى الإيمان والندب إلى الطاعة وترك المعصية ، فيدل على تيسير سبيل الوصول إلى كل واحد منهما . قال سبحانه : ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ « 1 » . وبذلك يظهر أنّ القول بدلالة الآيات على الذاتيين منهما ، قول بلا دليل . وأمّا ما اعتمد عليه الرازي من قوله : « إنّه تعالى حكم الآن على بعض أهل القيامة بأنّه سعيد وعلى بعضهم بأنّه شقي » ، وأسماه دليلا قاطعا ، فهو بالمغالطة أشبه منه بالدليل . وذلك لأنّه أخذ زمان الحكم زمانا لنتيجته وأثره ، فالحكم منه سبحانه وإن كان في زمن نزول الآية لكن زمان الاتصاف هو يوم القيامة ، فكيف قال إنّه تعالى حكم الآن على بعض أهل القيامة بأنّه سعيد ( فعلا ) وعلى بعضهم بأنّه شقي ( كذلك ) ، وإنما حكمت الآية في زمن النزول بأنّ الناس يتصفون في المستقبل بأحدهما لا في زمان الحكم القائم بالحاكم . فاستفادة كون الأشخاص سعداء أو أشقياء بالفعل وفي زمن نزول الآية ناشئ عن الخلط بين زماني الحكم والاتصاف ، فالحكم فعلي والاتصاف استقبالي . فعندئذ لا تدل على ما يتبناه من كون السعادة أو الشقاء حليف الإنسان وأليفه في الدنيا ، وأنه بالفعل من زمن طفولته إلى كهولته وهرمه ، محكوم بأحد الحكمين . وأما إرادته سبحانه أو علمه الأزلي ، فلا شك في عمومهما لكل حادثة وظاهرة ، ومن المعلوم أنّه لا يتطرق التغير إليهما وإلّا عاد جهلا . ولكنّ سبق تلك الإرادة والعلم لا يستلزم الجبر لو لم نقل إنّه يؤكد الاختيار ، لما علمت من أنهما لم يتعلقا بصدور الفعل مجردا عن مباديهما والخصوصيات المكتنفة بهما ، وإنما تعلقا على أن يصدر كل منهما من الإنسان بالخصوصيات الموجودة فيه ، ومنها الاختيار . فقد تعلقت إرادته وقضى بعلمه سبحانه على

--> ( 1 ) سورة عبس : الآية 20 .